jeudi 6 septembre 2018

العلاقات الإنسانية التربوية والصحة النفسية في الأسرة والمدرسة


العلاقات الإنسانية التربوية والصحة النفسية في الأسرة والمدرسة.

                                                          


الملخص:
            إن العلاقات التربوية التي تشترك فيها المدرسة مع الأسرة والمجتمع لها تأثير على المناخ والجو المدرسي للتلميذ ولها تأثير في غرفة الصف بين الأقران فيما بينهم، فضلا عن تعلمهم.
وتوفر الأنشطة المشتركة بين المدرسة مع الأسر والمجتمع الفرص للتعرف، وتعتبر من أساسيات خلق مناخ من الثقة للمضي قدما معا في المسؤولية التعليمية التربوية والاجتماعية المشتركة من قبل الأسرة والمدرسة، وأن نعمل على تحقيق التناسق بين هذه المؤسسات وبصفة خاصة بينها وبين الأسرة والمدرسة، كما أن الصحة النفسية في الأسرة والمدارس أمر مهم خاصة بالنسبة للتلميذ، ويعتبر كل من المهتمين بالصحة النفسية للأبناء، من مسؤولين وأولياء الأمور والإدارة المدرسية في وضع ممتاز لمساعدة المدارس اختيار البرامج الفعالة لتحقيق صحة نفسية جيدة.
الكلمات المفتاحية: العلاقات الإنسانية التربوية، الصحة النفسية، الأسرة والمدرسة.
Résumé :
Les relations que partage l’école avec les familles et la communauté ont une influence sur le climat scolaire et relationnel, dans la classe et à l’école, ainsi que sur les apprentissages de l’enfant.
Les activités communes de l’école avec les familles et la communauté offrent des occasions de mieux se connaître, Ce sont les bases pour créer un climat de confiance permettant de progresser ensemble dans la co-responsabilité éducative et sociale partagée par les parents et l’école, La santé mentale en milieu scolaire est importante, et les leaders en santé mentale des conseils scolaires sont dans une excellente position pour aider les écoles à choisir les programmes efficaces qui sont éclairés par des données probantes et adaptés à leur contexte local.
Mots clés: relations humanitaires éducatifs, la santé mentale, la famille et l'école.




*مقدمة:
منذ أن وجد الإنسان على سطح هذه الأرض وهو يسعى لإقامة علاقات مع غيره من بني جنسه، ويتفاعل معهم، ويحاول أن يتعرف على ما عندهم من أفكار ويتفهمها، ويحاول أن ينقل ما عنده من أفكار وأراء، ويتبع شتى الوسائل والطرق لتحقيق ذلك التواصل والتفاهم، والعلاقات الإنسانية تهتم بصفة عامة بدراسة إنجازاتهم وظروف حياتهم والظروف البيئية للعمل وجهودهم المشتركة من أجل تحقيق الأهداف المنشودة، وبالتالي أصبحت إدارة المؤسسات في العصر الحديث أكثر تعقيداً مما كانت عليه في السابق، بسبب ما تشهده تلك المؤسسات، ومنها التربوية من سرعة في التغيرات التكنولوجيا وثورة في المعلومات وتضخم حجمها وزيادة أعداد العاملين فيها، وتعدد أهدافها، وتغير البيئة التي تعمل في إطارها، الأمر الذي فرض عليها ضرورة التغيير في أسلوب إدارتها وعملياتها، ومنها عملية إدارة الأفراد والعلاقات الإنسانية.
ويرى بعضهم أن العلاقات الإنسانية تهتم بشكل رئيسي بالتفاعلات التي تتم بين الأفراد باعتبارهم بشراً لهم مشاعر وعواطف وقيم وحاجات نفسية واجتماعية، وهي تهتم كذلك بتحسين هذه التفاعلات، بحيث ترتفع الروح المعنوية لهؤلاء الأفراد مهما كانت المؤسسات التي يعملون فيها، وفي الوقت ذاته تتمكن هذه المؤسسات من تحقيق أهدافها.(1)   
كما تعتبر الصحة النفسية قدرة الفرد على التوافق مع نفسه ومع المجتمع الذي يعيش فيه، وهذا يؤدي إلى التمتع بحياة خالية من التأزم والاضطراب مليئة بالتحمس، ويعني هذا أن يرضى الفرد عن نفسه وأن يتقبل ذاته كما يتقبل الآخرين، فلا يبدو منه ما يدل على عدم التوافق الاجتماعي، كما لا يسلك سلوكا اجتماعيا شاذا، بل يسلك سلوكا معقولا يدل على اتزانه الانفعالي والعاطفي والعقلي، في ظل مختلف المجالات وتحت تأثير جميع الظروف، فاختلفت آراء الباحثين حول تعاريف الصحة النفسية وتعددت النظريات التي تناولتها، نظرا أنه موضوع يضم ميادين عديدة في الحياة اليومية والتي تتمثل في الجانب التكنولوجي، الاقتصادي، الإداري ... بصفة عامة، والميدان المدرسي التعليمي بداية من الروضة إلى الجامعة بصفة خاصة، إن العلاقة بين الصحة النفسية والمدرسة علاقة جد وثيقة، وإن تفاصيل حياة التلاميذ داخل المدرسة حافلة بالخبرات التي تؤثر إيجابا أو سلبا على الصحة النفسية لهؤلاء التلاميذ.
فالتلميذ الذي يعاني من القلق بسبب تردي الأوضاع في أسرته، أو وجود مشاكل أسرية أو التلميذ المشغول البال بمشكلاته الوجدانية وبفشله في إقامة علاقات طيبة مع زملائه أو بعض مدرسيه، مثل هذا التلميذ يصعب عليه التركيز في الفصل ووضع جل انتباهه حول الدرس، فيستنفذ طاقته في اجترار مشكلاته وآلامه مما يؤدي بظهور سوء التوافق النفسي لديه، وكثيرا ما يؤدي هذا إلى التأخر الدراسي والفشل، فمثل هذه الفئة يتولد لديهم الشعور بالنقص والخجل بالمقارنة مع الآخرين، وفقدان الثقة في النفس وبالتالي يحدث اضطراب في صحتهم النفسية.
أ‌-   العلاقات الإنسانية:
1- تعريف العلاقات الإنسانية:
- العلاقات الإنسانية هي: السلوك الإداري الذي يقوم على تقدير كل فرد من أفراد المؤسسة، وتقدير مواهبه وإمكاناته وخبراته، واعتباره قيمة عليا في حد ذاته، والذي يقوم أيضاً على الاحترام المتبادل بين المديرين والمنفذين، وبين العاملين بعضهم البعض، والذي يعتمد على حسن النية في التصرفات والشعور الطيب نحو الآخرين ونحو العمل(2)
كما تعتبر العلاقات الإنسانية المعاملة التي تقوم على الفضائل الإنسانية السوية التي تستمد مبادئها من تعاليم الأديان السماوية التي تركز على التبصر، والإقناع، والتشويق القائم على الحقائق المدعمة بالأسانيد العلمية(3) وهي عبارة عن عمليات حفز الأفراد في موقف معين بشكل فعال، يؤدي إلى وصول التوازن في الأهداف ليعطي المزيد من الإرضاء الإنساني وارتفاع في الإنتاج وزيادة في الفعالية التنظيمية(4).
من خلال ما سبق نستطيع أن نُعرف العلاقات الإنسانية بأنها: الأسلوب الذي يسلكه مدير المؤسسة في تعامله مع من حوله، لكي يحقق أهداف مؤسسته مع مراعاة تحقيق أهداف العاملين معه، وتوفير حاجاتهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية لكي يعملوا بفاعلية أكبر.
2- نشأة العلاقات الإنسانية وتطورها:
إن الاستعراض والتطرق لنشأة العلاقات الإنسانية وتطورها سوف يسمح لنا بالإلمام بأنواع وطبيعة التيارات الفكرية المختلفة التي تعرضت لها الإدارة والتجارب والبحوث التي أجريت من مختلف العصور إلى الآن، حيث إن الاهتمام بالعلاقات الإنسانية كان نتيجة وحصيلة لعوامل كثيرة في سلسلة التطور الفكري والعملي وما مرت به إدارة الأفراد من تجارب.
بدأت بوادر فكرة العلاقات الإنسانية تزدهر مع بداية الثورة الصناعية، إذ سادت الفكرة بأن تحسين وسائل وظروف العمل يؤدي إلى زيادة الإنتاجية ورفع مستوى المعيشة، ولا شك أن الدافع هنا لم يكن إنسانياً محضاً مصدره الرغبة في تحسين ظروف العمال، ولكن كانت تلك التحسينات في ظروف العمال المعيشية هي السبيل إلى زيادة إنتاجيتهم وزيادة أرباح المؤسسة، وكان مفهوم العلاقات الإنسانية بسيطا للغاية، حيث كان يرفض تشغيل الأطفال في الأعمال، ويصر على نظافة العمال وأماكن عملهم (5).
واحتلت التجارب التي قام بها إلتون مايو  (Elton Mayo) في عام  1927في مصنع هاوثورن  للنسيج في الولايات المتحدة الأمريكية ثورة في الفكر الإداري الإنساني، أين استخدم فكرة العمل الموزع وفترات الراحة التي تتخلل العمل لعلاج مشكلة ارتفاع معدل دوران العمل،وقد أسفرت نتائجه عن تحسين بيئة العمل واكتشف المديرون أن فترات الراحة البسيطة لن تؤخر الإنتاج وإنما تزيد من معدله(6) ، حيث أثبتت التجارب أن العوامل النفسية والاجتماعية والإنسانية تلعب دوراً أساسياً كمحدد لسلوك الأفراد وإنسانيتهم، وتعتبر نتائج هذه التجارب هي بداية لميلاد العلاقات الإنسانية، التي أبرزت إلى حد كبير أهمية هذه العلاقات للأفراد والمؤسسة(7).
وخلصت تلك التجارب إلى العديد من النتائج أبرزها:(8)  
- ضرورة الاهتمام بالعنصر البشري في مجال العمل.
- الإشراف له أهمية قصوى في حفز العامل وتنمية الروح المعنوية له.
- أهمية توفير سبل الاتصال الرسمي وغير الرسمي بين الإدارة والعاملين.
- أهمية إشراك المرؤسين في اتخاذ القرارات المتعلقة بالعمل.
- إن الأجر ليس هو الحافز الأول بالنسبة للعامل فهناك الشعور بالاستقرار والأمن في العمل الثابت المنظم.
3- أهداف العلاقات الإنسانية:
يهدف العنصر الأساسي في العلاقات الإنسانية إلى إشباع حاجات الفرد، لاسيما الحاجات الثانوية المتمثلة في تفاعل الفرد مع بيئته، والتي تشمل الحاجة إلى الانتماء والتعبير عن الذات، والحاجة إلى التقدير والأمن والحرية، والمكانة الاجتماعية، والسلطة الضابطة، وإشباع تلك الحاجات يعد محكاً أساسياً لمدى فهم المدير لأسلوب العلاقات الإنسانية الناجح للتعامل مع أفراد التنظيم الإداري، ذلك أن كل هذه العناصر قد يكون للمدير تأثير فعلي ومباشر فيها، فالمدير يستطيع أن يحقق للأفراد في المؤسسة أموراً كثيرة أهمها:
1- الشعور بالانتماء إلى المؤسسة، عن طريق إشعارهم بأنهم أعضاء في الجماعة، يشاركون في عملها وفي تحمل مسؤولياتها، وفي صنع ما يتخذه المدير من قرارات.
2- التعبير عن الذات، وذلك إذا منح المدير الأفراد العاملين معه بعض المسؤوليات أو أشركهم في القيام ببعض الأعمال ذات الأهمية الخاصة.
3- النجاح والتقدير، وذلك حين يتحمل الفرد المسؤولية في عمله وما ينجزه، فإن على المدير أن يشعره بنجاحه في إنجاز ما أوكل اليه، ويبدي تقديره لهذا النجاح وما بذل فيه من جهد.
4- الأمن والطمأنينة، وهما نتيجة حتمية للبقاء والاستمرارية في المؤسسة، وجعل الموظف أو الفرد مطمئناً في البقاء بعمله، مستمراً في عطائه وإنتاجه مما يؤدي إلى تحسين أدائه في العمل(9).
وتعتبر ممارسة مدير المدرسة للعلاقات الإنسانية مع المعلمين عبارة عن عملية فيها استثارة لدافعية المعلمين للعمل، وإشباع لرغباتهم وحاجاتهم ودوافعهم، الأمر الذي يعني أن في ممارسة مدير المدرسة لسلوكات العلاقات الإنسانية الجيدة إشباعاً لحاجات ودوافع نفسية واجتماعية لدى المعلمين، وهذا ينعكس على فعالية أولئك المعلمين في أدائهم لعملهم. كما أن ممارسة مدير المدرسة للعلاقات الإنسانية الجيدة مع معلميه فيها رفع للروح المعنوية السائدة في التنظيم المدرسي، وارتفاع الروح المعنوية من أهم العوامل التي تساعد على ظهور أفراد التنظيم المدرسي في مظهر تعاوني، فكلما ارتفعت هذه الروح أدت إلى زيادة في تحسين الأداء، وبالتالي إلى تحقيق الأهداف التي وجدت المدرسة من أجلها.
4- أهمية العلاقات الإنسانية في الإدارة المدرسية:
يمثل الاهتمام بالعلاقات الإنسانية أحد المقومات الأساسية لنجاح الإداريين، وعلى المدير أن ينمي علاقاته الشخصية بالإضافة إلى تنمية علاقات إنسانية سليمة في المؤسسة التي يديرها، فمفتاح نجاح المدير هو قدرته على التعامل مع الأفراد الذين يعملون معه بحيث يجعلهم يؤدون ما ينبغي عمله وهم راغبون، وهذا يتطلب معرفة تامة بالعلاقات الإنسانية(10) لذا نجد أن العلاقات الإنسانية عامل هام في الإدارة، فالقدرة على العمل مع الآخرين بطريقة بناءة هي من السمات الهامة التي يجب أن تتميز بها شخصية الإداري ولا سيما في ميدان التعليم. إن على رجل الإدارة المدرسية أن ينمي مهاراته الإنسانية، فليس بإمكانه الاعتماد على غيره من الناس، حتى يستطيع أن يدرك المشاعر والأحاسيس التي تفرضها المواقف المختلفة، وأن يفهم ما يعنيه الآخرون بأعمالهم أو بسلوكياتهم، مما ينمي قدرته على الاتصال الناجح بالآخرين ونقل أفكاره وأرائه إليهم، وبإمكان رجل الإدارة التعليمية أن ينمي مهاراته الإنسانية بزيادة اطلاعه على نتائج البحوث والدراسات التي تجري في ميدانها، وكذلك بزيادة وعيه بالعلاقات الإنسانية التي تربط المدرسة بالمجتمع(11)
فالدور الذي تلعبه العلاقات الإنسانية في مجمل المجالات بالإدارة المدرسية هو: أنها تضمن للعاملين والعاملات التربويين الرضا الوظيفي في العمل، وإثارة الدوافع للعمل وتحسين الأداء، وارتفاع الروح المعنوية والشعور بالانتماء للعمل التربوي. ويرى الباحثون أن العلاقات الإنسانية التي يمارسها المدير المدرسي سواء في
المدرسة أو غيرها من المؤسسات التعليمية ذات أهمية بالغة، لأن نوعية العلاقات بين الطاقم التعليمي تعتمد اعتماداً كبيراً على نوعية علاقتهم مع المدير أو القائد التربوي والإداري.



5-  أسس العلاقات الإنسانية:
يتطلب التواصل لتكوين العلاقات الإنسانية بين جميع من يتفاعلون مع الجو التعليمي في المدرسة سواء أكان مديرًا أو مشرفًا أو معلمًا أو طالبًا وغيرهم، أن يكون الجو المدرسي مبنيًا على الإيمان بقيمة الفرد والجماعة والعيش بانسجام وبوجود النية الصادقة و التفاعل البناء لذلك لابد من أسس و مبادئ تقوم عليها العلاقات الإنسانية. ومنها ما يلي:
-1  استخدام الإداري خبرته وتقديره الصحيح للأمور لإقامة العلاقات الإنسانية الجيدة و تطبيقه للعلوم الإنسانية و مبادئها.
-2  مشاركة العاملين في اتخاذ القرارات يجعلهم أكثر سعادة وحماسة لتنفيذ العمل.
-3 تنظيم التواصل داخل المنظمة وإزالة عوائقه التي تؤخر تحقيق الأهداف.
-4 إشاعة روح التعاون بين فريق العمل.
-5 إرضاء الأفراد وارتياحهم لأعمالهم عن طريق الشعور بالتقدير والانتماء والمشاركة بالعمل.
-6 تنمية العلاقات الإنسانية لدى العاملين عن طريق التعليم والتدريب والممارسة.
وتتلخص الأسس في:
-الإيمان بقيمة الفرد.
-العدل في المعاملة.
-المشاركة والتعاون.
-التحديث والتطوير.(12) 
6-  مبادئ العلاقات الإنسانية:
-1 العلاقة الطيبة في المهنة بين مسئول المدرسة وبقية الأفراد.
-2 تقديم المصلحة العامة على الأمور الشخصية.
-3 التعاون في التفكير والجهد بين إدارة المدرسة ومعلميها.
-4 الصبر والتأني في أداء العمل على أساس ثابت متين من حسن النية بين العاملين.
-5 تأدية العمل ببراعة من خلال النمو المستمر.
6- يسعى مسئول المدرسة إلى إشاعة سعة الأفق ورحابة الصدر عند المعلمين والعمل على رفع الروح المعنوية.
-7 تقوية روابط المهنة بين المعلمين بهدف ترقية العلاقات الإنسانية.
-8 إتاحة مبدأ تكافؤ الفرص بين المعلمين لأن ذلك يساعد على نموهم الشخصي و المهني.
-9 تقدير ما يبذله المعلمون من أعمال جيدة.
-10 مساعدة المعلمين في التغلب على الصعوبات التي تعترضهم.
-11 مساعدة المعلمين الجدد على التأقلم مع البيئة الجديدة.
-12 العمل على حماية المعلمين من النقد الجارح.
-13 توفير الأجواء النفسية الجيدة للمعلمين.
-14 اكتشاف قدرات المعلمين و اتجاهاتهم و جوانب التميز فيهم.
-15 عدم اللجوء إلى الحرفية في تنفيذ الرسميات.(13)
ب- الصحة النفسية في الأسرة والمدرسة:
1-   تعريف الصحة النفسية:
منذ تأسيس منظمة الصحة العالمية قامت بتضمين العافية النفسية في تعريف الصحة وتعريف منظمة الصحة العالمية الشهير للصحة هو: حالة من الكمال الجسدي والنفسي والعافية الاجتماعية وليست مجرد الخلو من المرض أو العجز.
ثمة ثلاث أفكار رئيسية لتحسين الصحة بحسب هذا التعريف وهي:
*الصحة النفسية هي جزء مكمل للصحة.
*الصحة النفسية أكثر من مجرد الخلو من المرض.
*تتعلق الصحة النفسية إلى أبعد مدى مع السلوك والصحة الجسدية.
تحديد الصحة النفسية هام ولو أنه ليس ضرورياً دائماً لتحقيق التحسين فيها و إنّ الاختلافات في القيم بين الدول والثقافات وفي المراتب الاجتماعية وبين الجنسين يمكن أن يبدو أوسع من أن يسمح بالإجماع على تعريف منظمة الصحة العالمية إذ إن العمر أو الثروة مثلاً لهما تعبيرات مختلفة في العالم، ولكن لهما معاني عالمية حسية مشتركة جوهرية، لذا فالصحة النفسية يمكن تصورها من دون تقييد تأويلا وتفسيرا في مختلف الثقافات، ولقد اقترحت منظمة الصحة العالمية مؤخراً بأن الصحة النفسية هي حالة من العافية التي يحقق فيها الفرد قدراته، ويمكن أن يتغلب على الإجهادات العادية في الحياة، ويمكن أن يعمل بإنتاجية مثمرة، ويكون قادراً على المساهمة في مجتمعه، وإذا الإحساس الإيجابي فإن الصحة النفسية هي القاعدة والأساس لعافية الفرد والمجتمع ووظائفهما الفعالة، وهي أكثر من مجرد الخلو من الاعتلال النفسي، ومن أجل الحالات والقدرات المدونة في التعريف فإن لها القيم نفسها، ولا يمكن للصحة النفسية أو الصحة الجسدية أن توجدان بمعزل عن بعضهما (العقل السليم في الجسم السليم والعكس صحيح)، يمكن أن تعتمد الوظائف الاجتماعية والجسدية والنفسية على بعضها، وأكثر من ذلك فإن الصحة والاعتلال قد يتصاحبان بوجودهما على نحو متبادل أو منحصر بأحدهما فيما لو عرفت الصحة بطريقة تحصرها بغياب المرض، إن الاعتراف بالصحة بأﻧﻬا حالة من التوازن الذي يتضمن النفس والآخرين والبيئة، وكل ما يساعد المجتمعات والأفراد لفهم كيف يطلبون تحسين صحتهم.(14)
2-   دور الأسرة والمدرسة في تحقيق الصحة النفسية:
تعتبر الأسرة من أهم عوامل التنشئة الاجتماعية، وهي الممثلة الأولى للثقافة وأقوى الجماعات تأثيرا في سلوك الفرد، وهي التي تساهم بالقدر الأكبر في الإشراف على النمو الاجتماعي للطفل وتكوين شخصيته وتوجيه سلوكه، وللأسرة وظيفة اجتماعية ونفسية هامة، فهي المدرسة الاجتماعية الأولى للطفل وهي العامل الأول في صبغ سلوكه بالصبغة الاجتماعية.
ونحن نعلم أن السنوات الأولى من حياة الطفل تؤثر في التوافق النفسي أو سوء التوافق حيث يكون الأطفال شديدي التأثر بالتجارب المؤلمة والخبرات الصادمة.
وهي التي تعتبر النموذج الأمثل للجماعة الأولية التي يتفاعل الطفل مع أعضائها وجها لوجه، ويتوحد معهم ويعتبر سلوكهم سلوكا نموذجيا يحتذي به.
وقد أجريت عدت بحوث حول دور الأسرة في عملية التنشئة الاجتماعية للطفل وأثر ذلك في سلوكه وأوضحت هذه البحوث ما يلي:
- في المجتمع الواحد نجد فيه فروق في التنشئة الاجتماعية بين طبقة وطبقة وبين أسرة وأسرة.
- نظام التغذية الذي تتبعه الأم مع الطفل في مرحلة الرضاعة يؤثر حركة ونشاط الطفل، ويجب إتاحة الفرصة الكافية للامتصاص في هذه الفترة وتنظيم مواعيد الرضاعة وعدم القسوة في الفطام، حيث يكون متدرج وفي وقته المناسب.
- أسلوب ضبط عملية الإخراج في الطفولة يرتبط ذلك بالبخل والحرص والترتيب والنظام في الكبر، فيجب اعتدال الوالدين في التدريب على عملية الإخراج.
- كلما كانت عملية التنشئة الاجتماعية للطفل سليمة وكلما قلّ نبذ الوالدين له وكلما كانت اتجاهاتهم متعاطفة وكلما قلّ الإحباط في المنزل قلّ الدافع إلى العدوان عند الطفل.
- الحماية الزائدة من جانب الوالدين لأطفالهم والتزمت والتشدد في نظام الرضاعة والفطام تؤدي إلى الاعتماد على الغير والإتكالية، وأكثر حاجة إلى انتباه الآخرين ومودتهم.
- المستوى الاجتماعي والاقتصادي المتوسط والأعلى والاستقرار الاقتصادي أفضل بالنسبة للصحة النفسية للطفل.
- إرشاد الأزواج قبل الزواج وأثنائها، عملية ضرورية وواجبة لضمان الصحة النفسية لهما وللأسرة بأسرها.
 وتؤثر العلاقات بين الوالدين على صحة الطفل النفسية على النحو التالي:
- السعادة الزوجية تؤدي إلى تماسك الأسرة بما يخلق مناخا يساعد على نمو الطفل إلى شخصية متكاملة ومتزنة.
- تؤدي إلى إشباع حاجة الطفل إلى الأمن النفسي وإلى توافقه النفسي.
- الاتجاهات الانفعالية السوية واتجاهات الوالدين الموجبة نحو الحياة الزوجية ونحو دورهم كآباء تؤدي إلى استقرار الأسرة والصحة النفسية لكافة أفرادها.
- التعاسة الزوجية تؤدي إلى تفكك الأسرة مما يخلق مناخا يؤدي إلى نمو الطفل نموا نفسيا غير سوي.
- الخلافات بين الوالدين تعكر صفاء جوّ الأسرة مما يؤدي إلى أنماط السلوك المضطرب لدى الطفل كالغيرة، والأنانية والشجار وعدم الاتزان الانفعالي.
- المشكلات النفسية للزوجين والسلوك الشاذ الذي قد يقومان به يهدد استقرار المناخ الأسري والصحة النفسية لكافة أفرادها.
وتؤثر العلاقات بين الإخوة على الصحة النفسية على النحو التالي:
-العلاقات المنسجمة بين الإخوة، الخالية من تفضيل طفل على طفل أو جنس على جنس، المشبعة بالتعاون الخالية من التنافس، تؤدي إلى النمو النفسي السليم للطفل. هذا ويجب أن يعمل الوالدين حسابا لسيكولوجية الطفل الوحيد والطفل الأكبر والطفل الأصغر والطفل الأوسط.
وعلى العموم يجب العمل على تدعيم العلاقات الأسرية حتى يتحقق أثرها النافع على صحة الطفل النفسية.(15)
3- سمات المناخ الأسري الصحي:
- إشباع الحاجات النفسية وخاصة الحاجة إلى الانتماء والحب والأهمية والقبول.
- تنمية القدرات عن طريق اللعب والخبرات البناءة والممارسة الموجهة.
- تعليم التفاعل الاجتماعي واحترام حقوق الآخرين والتعاون والإيثار.
- تعليم التوافق النفسي (الشخصي والاجتماعي).
- تكوين الاتجاهات السليمة نحو الوالدين والإخوة والآخرين.
- تكوين العادات السليمة الخاصة بالتغذية والكلام والنوم.
- تكوين أفكار ومعتقدات سليمة.

ويلخص الجدول التالي الظروف غير المناسبة في الأسرة وآثارها على الصحة النفسية للطفل:
الظروف غير المناسبة
آثارها على الصحة النفسية للطفل
الرفض (أو الإهمال ونقص الرعاية)
الشعور بعدم الأمن، الشعور بالوحدة، محاولة جذب انتباه الآخرين، السلبية والخضوع، أو الشعور العدائي والتمرد، عدم القدرة على تبادل العواطف، الخجل، العصابية، سوء التوافق.
الحماية الزائدة
عدم القدرة على مواجهة الضغوط البيئية ومواجهة الواقع، الخضوع، القلق، عدم الأمن، كثرة المطالب، عدم الاتزان الانفعالي، قصور النضج، الأنانية.
التدليل
الأنانية، رفض السلطة، عدم الشعور بالمسؤولية، عدم التحمل، الإفراط في الحاجة إلى انتباه الآخرين.
التسلط والسيطرة
الاستسلام والخضوع والتمرد، عدم الشعور بالكفاءة، نقص المبادأة، الاعتماد السلبي على الآخرين، قمع وكبت استجابات النمو السلبية، سوء التوافق مع متطلبات النضج.
الزواج غير السعيد
القلق، التوتر، الشعور بعدم الأمن، الحرمان الانفعالي، الميل نحو النظر إلى العالم كمكان غير آمن، ظهور اضطرابات نفسية جسمية والاكتئاب.
انفصال الوالدين أو الطلاق
عدم الشعور بالأمن، عدم الاستقرار، العزلة، عدم وجود من يتمثل قيمهم وأساليبهم السلوكية، الخوف من المستقبل.
اضطرابات العلاقات بين الإخوة
العداء والكراهية، الشعور بعدم الأمن، عدم الثقة بالنفس، النكوص.
المثالية وارتفاع مستوى الطموح
الإحباط، الشعور بالإثم، امتهان الذات، الشعور بالنقص.
(16)
4- الصحة النفسية في المدرسة:
المدرسة هي المؤسسة الرسمية التي تقوم بالتربية، ونقل الثقافة المتطورة وتوفير الظروف المناسبة للنمو جسميا وعقليا وانفعاليا واجتماعيا.
         وعندما يبدأ الطفل تعليمه في المدرسة يكون قد قطع شوطا لا بأس به في التنشئة الاجتماعية في الأسرة، فهو يدخل المدرسة مزودا بالكثير من المعلومات والمعايير الاجتماعية والقيم والاتجاهات، والمدرسة توسع دائرة هذه المعلومات والمعايير والقيّم والاتجاهات في شكل منظم، وفي المدرسة يتفاعل التلميذ مع مدرسيه وزملائه ويتأثر بالمنهج الدراسي بمعناه الواسع علما وثقافة وتنمو شخصيته من كافة جوانبها.
وفيما يلي بعض مسؤوليات المدرسة بالنسبة للنمو النفسي والصحة النفسية للتلميذ:
-تقديم الرعاية النفسية إلى كل طفل ومساعدته في حل مشكلاته والانتقال به من طفل يعتمد على غيره إلى راشد مستقل معتمدا على نفسه متوافقا نفسيا.
- تعليمه كيف يحقق أهدافه بطريقة ملائمة تتفق مع المعايير الاجتماعية ما يحقق توافقه الاجتماعي.
- مراعاة قدراته في كل ما يتعلق بعملية التربية والتعليم.
- الاهتمام بالتوجيه والإرشاد النفسي للتلميذ.
- الاهتمام بعملية التنشئة الاجتماعية بالتعاون مع المؤسسات الاجتماعية الأخرى وخاصة الأسرة.
- مراعاة كل ما من شأنه ضمان نمو الطفل نموا نفسيا سليما.
وتؤثر العلاقات الاجتماعية في المدرسة على الصحة النفسية للتلميذ والتوافق المدرسي على النحو التالي:
-العلاقات بين المدرس والتلميذ التي تقوم على أساس من الديمقراطية والتوجيه والإرشاد السليم تؤدي إلى حسن العلاقة بين المدرس والتلاميذ والى النمو التربوي والنفسي السليم.
- العلاقات بين التلاميذ بعضهم البعض التي تقوم على أساس من التعاون والفهم المتبادل تؤدي إلى تحقيق صحة نفسية جيدة.
- العلاقات بين المدرسة والأسرة التي تكون دائمة الاتصال (خاصة عن طريق مجالس الآباء والمعلمين) تلعب دورا هاما في إحداث عملية التكامل بين الأسرة والمدرسة في عملية رعاية النمو النفسي للتلميذ.
أما عن دور المدرس في العملية التربوية فنلاحظ:
-يلعب المدرس دورا هاما في عملية التربية وفي رعاية النمو النفسي للتلميذ، فهو دائم التأثير في التلميذ منذ دخوله المدرسة حتى تخرجه، وهو نموذج سلوكي حيّ يقتدي به التلميذ ويتقمص شخصيته ويقلد سلوكه، وهو ملقن علم ومعرفة ينمي معارف التلاميذ، وهو موجه سلوك يصحح سلوك التلاميذ إلى الأفضل عن طريق وضعه في خبرات سلوكية سوية.
- المدرس ليس ناقل معلومات ومعارف فقط ولكنه بالإضافة إلى ذلك معلم مهارات التوافق، ومشخص مظاهر وأعراض أي اضطراب سلوكي، ومصحح ومعالج لهذا الاضطراب.
- يجب أن يتمتع المربون (المعلمون والوالدين) أنفسهم بالصحة النفسية، ففاقد الشيء لا يعطيه، ويتطلب ذلك تحقيق الأمن والاستقرار النفسي والتوافق مع التلاميذ والديمقراطية في التعامل معهم، وأن تكون نظرته للحياة ايجابية متزنة.
- مشكلات المدرسين ومظاهر سوء توافقهم الشخصي والاجتماعي يجب العمل على حلها، ومن هذه المشكلات ما يتعلق بالناحية الاقتصادية والوضع والمكانة الاجتماعية والتعب والإرهاق والإنهاك ونقص الإمكانات وقلة تعاون الوالدين...الخ.
- تتأثر الصحة النفسية للتلميذ بشخصية المربي الذي يجب أن يكون قدوة صالحة لتلاميذه في سلوكه، إن المربي الذي يقول م لا يفعل يجب أن يعلم أن خير ما يعلمه لأبنائه قوله افعلوا مثلما أفعل وليس مثلما أقول.
- يجب أن يضع في الحسبان أنه كلما كانت العلاقة سوية بين المربين والأولاد وبين الأولاد بعضهم بعض، وبين المدرسة والأسرة كلما ساعد ذلك على حسن توافقهم النفسي وشعورهم بالأمن.
- على المدرس أن يعمل كمربي يعلم ويوجه ويعالج، في بعض الأحيان، أنه يعلم العلم ويوجه النمو ويعالج ما يستطيع علاجه من مشكلات تلاميذه ويحيل ما لا يستطيع علاجه إلى الأخصائيين في العيادات النفسية.(17)   
*خاتمة:
العلاقات الإنسانية في مجال التربية والتعليم مفهوم واضح، ناقشه الكثير من المربيون فمنهم من يراه على انه إشباع للحاجات النفسية للفرد  في نطاق الجماعة، أي توفير الفرص في الجماعة لإشباع الحاجات المختلفة والتي منها الحاجة إلى الأمن والاستقرار وحاجته إلى العمل والإنتاج والنجاح والتقدير والحرية والنمو والاطلاع، وتأكيد أهميته وتقبل الآخرين له ومعاملته معاملة عادلة تليق بإنسانيته.   
كما أنه من الضروري أن نضع في الحسبان أهمية الصحة النفسية في المجتمع بمؤسساته المختلفة الطبية والاجتماعية والاقتصادية والدينية...الخ، وأن نعمل على تحقيق التناسق بين هذه المؤسسات وبصفة خاصة بينها وبين الأسرة والمدرسة، وهذا يحتم تطبيق اتجاهات الصحة النفسية في المجتمع، لتجنب أفراده وجماعاته كل ما يؤدي إلى الاضطراب النفسي حتى يتحقق الإنتاج والتقدم والتطور والسعادة.
*المراجع:
1-الشايب محمد محمد (1988): مفهوم الاتصال والعلاقات الإنسانية، دائرة التعليم المستمر وخدمة المجتمع، الاردن.
2-شهاب ابراهيم بدر (1998): معجم مصطلحات الإدارة العامة، دار البشير، عمان.
3-الشلالدة عوض حسن (1998): العلاقات الإنسانية ودورها في السلوك الإنساني، شركة كاظمة، الأردن.
4-الشنواني صلاح (2003): إدارة الأفراد والعلاقات الإنسانية، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية.
5-بكر عبد الرحمان (1986): العلاقات الإنسانية والإنتاج، المؤسسة الثقافية العالمية، القاهرة.
6- نهلة محمد ناشي الجابري الحربي (2008):اثر ضغوط العمل على مستوى العلاقات الإنسانية بين المشرفات التربويات بإدارة الإشراف التربوي، ماجستير تخصص إدارة تربوية وتخطيط، جامعة أم القرى السعودية.
7-حسن عادل (2003): إدارة الإفراد والعلاقات الإنسانية، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية.
8- الشنواني صلاح (2003): إدارة الأفراد والعلاقات الإنسانية، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية.
9-علي أحمد (1991): العلاقات الإنسانية في المنشأة، مكتبة عين الشمس، القاهرة.
10-عبد الباقي زيدان (1980): المدير وتعددية الأدوار، مجلة الإدارة، اتحد جمعيات التنمية الإدارية، العدد الثاني.
11-إبراهيم أحمد (1999): العلاقات الإنسانية في المؤسسة التعليمية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية.
12- نهلة محمد ناشي الجابري الحربي (2008):اثر ضغوط العمل على مستوى العلاقات الإنسانية بين المشرفات التربويات بإدارة الإشراف التربوي، ماجستير تخصص إدارة تربوية وتخطيط، جامعة أم القرى السعودية.
13- نفس المرجع السابق.
14- تقرير منظمة الصحة العالمية (2005): تعزيز الصحة النفسية، جامعة مالبورن، القاهرة.
15- زينب عبد الرزاق وآخرون (2008): الصحة النفسية، مركز التنمية الأسرية، السعودية، ص14-15.
16-نفس المرجع، ص16-17.
17-نفس المرجع السابق، ص17-18.

0 commentaires

Enregistrer un commentaire